المسودة الأولى: البداية والهاجس

لكل لوحة (سكتش)، ولكل أغنية (ديمو)، ولكل نص مكتوب مسودة أولى.

مسودة خام، ملامحها غير مكتملة، تملؤها الشوائب وتعكر الأخطاء صفوها. هي النص الأولي الذي يتحمل كمًا هائلًا من الأخطاء والتجارب. هي البذرة التي تنمو لتصبح شجرة وارفة الظلال. كتابة المسودة الأولى رحلة تتخللها جبال شاهقة ورياح عاتية، ولكن بإمكانها أن تتحول إلى نزهة بحرية حين تمتلك المعرفة والأدوات المناسبة.

بإمكاننا أن نقسم أبرز عقبات المسودة الأولى إلى نوعين:

١- (ما قبل المسودة)

وهي المخاوف التي نواجهها قبل أن نشرع في بناء النسخة الأولية، ويمكن تلخيصها في نقطتين:

رهبة الصفحة الأولى

يقال أنه كلما زاد تفكيرك في القفزة، كلما قلّت إحتمالية أن تقفز. تنكسر الرهبة بعد الكلمة الأولى، لذلك لا تتأخر فيها.

الإعتقاد أن جميع تفاصيل النص يجب أن تكون واضحة قبل الشروع بالكتابة

خرافة، وعذر للتسويف. إبدأ بالموجود، وأفضل التفاصيل عادةً ما تجدها في الطريق وليس على الباب.

٢- (أثناء العمل على المسودة)

أما هذه فهي العقبات المنتشرة على إمتداد الطريق الطويل، ويمكن تجميعها في ثلاثة نقاط:

التدقيق الزائد عن اللزوم

المسودة الأولى هي المساحة المناسبة لارتكاب الأخطاء. لا تعرقل نفسك بهوس كتابة نص مثالي من المحاولة الأولى.

الطرق المسدودة

من أكثر العقبات شيوعًا ويتطلب التعامل معها قدرًا لا يستهان به من المرونة. لا تخجل من العودة في النص وإعادة رسم مخططه. كن مستعدًا للتخلي عن أفكارك السابقة حين تثبت عدم جدواها، وأن تغيّر المسار حين تكتشف مسارًا أفضل.

شُح الأفكار

قد يتركك الإلهام في وسط الطريق، وقد يقرر إبداعك التحوّل إلى شبح تعرف أنه موجود ولكنك لا تراه. يكون هذا عادة إنذارًا باستهلاك المخزون الطاقي أو، أسوأ، بالاحتراق. تتطلب هذه المرحلة أن تسترخي وتلتقط أنفاسك؛ ثم تخلق مساحة مريحة تُغري الإلهام والإبداع بالعودة.

يأتي بعد هذا كله سؤال: ما هي الطريقة الأفضل للتعامل مع كل عقبات إنتاج المسودة الأولى؟

من أفضل النصائح التي ساعدتني في التعامل مع المسودة الأولى هي حقيقة أن تلك المسودة ليس من المفترض أن تكون مثالية، وأن الغرض الأساسي منها هو أن تُنجر. الانتهاء منها يعني أنك قد قطعت نصف المشوار بالفعل، وأن الوصول لنتيجة نهائية مُرضية أصبح حقيقة ممكنة أكثر من أي وقت سابق. اسمح لنفسك أن تتعثر وتسقط وتغيّر الطريق بعد أن تضيعه، وتعيد اكتشاف النص مرة تلو الأخرى. اسمح لنفسك في هذه المرحلة أن تقوم بكل الأخطاء الممكنة، فكل ما تكتبه في المرحلة هذه لن تراه سوى عينيك فقط.

ماذا بعد المسودة الأولى؟

قد لا تود سماع هذا، ولكن ما يأتي بعد المسودة الأولى هو المسودة الثانية، والثالثة، والرابعة. قد تجد هذه الحقيقة محبطة، لذا وجب التنويه على بعض النقاط. أشكر نفسك أولًا على الإنتهاء من المهمة، وتذكر: المسودة الأولى هي الأصعب. ثانيًا، يُنصح بترك المسودة لفترة والابتعاد عنها، حتى تعود لها بأعين جديدة وقادرة على رؤية النص بوضوح أكبر. ثالثًا، استمتع برحلة تحويل مسودتك الأولية إلى أفضل نسخة ممكنة ولا تعبأ بكمّ التعديلات؛ فكل تعديل هو خطوة نحو عمل أكثر تكاملًا. وأخيرًا، كن متسامحًا مع الأخطاء التي قد تجدها أثناء مراجعة النص.

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦المسودة الأولى: البداية والهاجس⁩”

  1. صورة أفاتار حنكليس أحراش شقائق النعمان
    حنكليس أحراش شقائق النعمان

    تلخيص ججميل لما يمر به – لا أقول كل كاتب.. لكن – كل من جرب الكتابة.

    إعجاب

  2. صورة أفاتار القاصة
    القاصة

    لعلّ كلّ ما نكتبه منذ البداية و حتى النهاية يستمر بكونه رغم التعديل و التنقيح مسودّة دائما، من الصعب علينا ككتاب أن نبلغ مرحلة الرضا التام عن ما ننتجه لذلك تصالحت منذ زمن مع حقيقة أن الكمال غاية لا تدرك. في النهاية، لكل نسخة من المسودات رونق خاص لن يغادرها.

    Liked by 1 person

أضف تعليق