(أظهر، لا تُخبر) قاعدة الكتابة الإبداعية الأولى

Eduard Karl Gustav Lebrecht Pistorius.(German, 1796 – 1862)

“الحيلة تكمن في جعل القراء يشعرون بالذكاء. عندما يشعرون بالذكاء، يصبحون أكثر انخراطًا.”

– آرون سوركين

عند بداية ممارسة الكتابة الإبداعية، ستواجهك إحدى أهم القواعد التي ستصادفها مرارًا وتكرارًا: قاعدة “أظهر، لا تُخبر.” إخبار القارئ هنا يعني تقديم المعلومات جاهزة ومباشرة؛ بدلًا من أن تمنحه الفرصة للتفكير والاستنتاج أثناء القراءة. هذا الأسلوب يجعل القارئ يشعر وكأنه طفل في الثالثة من عمره يشرح له والداه الأمور بأبسط الطرق، فيتحول دوره إلى مجرد متلقٍ، بدلًا من أن يكون جزءًا نشطًا من القصة.

عندما يصف الكاتب أحداث قصته بدلًا من أن يحكيها، يصبح الأمر أشبه بقراءة ملخص، فتفقد تجربة القراءة الكثير من سحرها، إن لم يكن كله، ويشعر القارئ أنه منعزل عن الأحداث وليس جزءًا منها. عرض الأحداث بتفاصيل حسية بدلًا من سردها فقط؛ يساعد في تقريب القارئ من الشخصيات، ويمنحه فرصة للتوقع وصنع النظريات، مما يزيد من متعته ويرفع درجة ارتباطه بالقصة.

لا تخبرنا أن الشخصية قاسية، طويلة، أو صادقة؛ بل دعنا نستشف ذلك من خلال أفعالها وطريقة تعامل الآخرين معها. لا تخبرنا أن الشخصية تشعر بالقلق، بل دعنا نرى كيف تنعكس حالتها الداخلية في تصرفاتها. لا تخبرنا أن مجموعة ما تخطط لخيانة شخص، بل أعطنا بضعة تلميحات ودعنا ننتظر بترقب تحقق توقعاتنا.

أدوات الإظهار الأساسية:


1.
الحوارات:

من أسهل الطرق وأكثرها فعالية لإظهار ما تريده بطريقة طبيعية. امزج الحوار بما تريد إيصاله، وابتعد عن المباشرة والتعابير المستهلكة، والأهم، حافظ على واقعية الحوار. بهذا تخلق العديد من الفرص للقراء لتخمين الدوافع والحقائق.
2.
تفعيل حواس القراء:

قد يشبع الحوار حاسة السمع، لكن كثيرًا ما ينسى الكاتب تفعيل حواس الشم، التذوق، واللمس. أثناء تنقيح المسودة الأولى، عُد لتطعيم المشاهد بالعوامل الحسية الضرورية، مع التركيز على دمجها بشكل لا يبرز بشكل مزعج.

3. تجنب التبرير المفرط:

كثرة الشرح تقتل النص وتثقل على القارئ. ابتعد تمامًا عن التفاصيل البديهية، والتزم بأقل قدر من التبريرات، واترك الباقي لمخيلة القارئ.

أمثلة من نصوص أدبية:

1. “أولاد حارتنا” – نجيب محفوظ:

في وصف الحياة اليومية في الحارة، نجيب محفوظ لا يقول بشكل مباشر إن الناس يشعرون باليأس والفقر، بل يسرد الأحداث بطريقة تظهر ذلك.

خرج الصبي من البيت وهو يشعر بالجوع، يجري بقدميه الحافيتين فوق التراب الساخن، ينظر حوله في زقاق ضيق تملؤه القاذورات، وحينما التفت إلى الخلف رأى أمه وهي تبكي، فازدادت خطاه سرعة، وهو لا يعرف إلى أين يذهب ليجد شيئًا يسد به رمقه.”

هنا نرى أن الكاتب لم يقل “الطفل كان جائعًا ويائسًا”، لكنه أظهر ذلك من خلال وصف الحالة المادية والنفسية للطفل.

2. “زقاق المدق” – نجيب محفوظ:

نجيب محفوظ يظهر التوتر في الحارة من خلال التفاعلات بين الشخصيات بدلًا من الوصف المباشر.

“كان عم كامل يجلس أمام دكانه الصغير، يتبادل الشتائم مع حميدة التي مرّت بجواره، بينما كان الأطفال يهربون بسرعة ليبتعدوا عن الشجار المعتاد. الجميع يعرف أن هذا المشهد سيتكرر غدًا وبعد غد.”

في هذا المثال، لم يقل محفوظ “كانت الحارة مليئة بالتوتر”، لكنه أظهر ذلك من خلال المشاحنات اليومية بين السكان.

خلاصة القول:

قاعدة “أظهر، لا تُخبر” قد تكون من المسلمات في التعامل مع النصوص السردية، لكن يجب التنويه أن لكل قاعدة شواذ؛ صحيح أن هذه القاعدة صحيحة في معظم الأحيان، لكن ليس دائمًا. القرار النهائي يعود للكاتب وحكمته في تحديد متى تقتضي الضرورة الإخبار بدلًا من الإظهار.

أضف تعليق