فن السرد: استكشاف المسافة السردية وأثرها على تجربة القراءة

Maxfield Parrish (July 25, 1870 – March 30, 1966)

الكتابة الإبداعية تتطلب من الكاتب استخدام مجموعة من التقنيات والأساليب التي تتطور مع مرور الوقت، ومن بين هذه التقنيات المهمة تأتي “المسافة السردية”. تلعب المسافة السردية دورًا أساسيًا في تحديد مدى قرب أو بعد القارئ عن الشخصيات والأحداث في النص. يمكن أن يفكر الكاتب في المسافة السردية كوسيلة لتحديد مقدار المعلومات والتفاصيل التي يتلقاها القارئ، وبالتالي كيفية تفاعله مع القصة.

يمكننا تصنيف المسافة السردية إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي كالتالي:

المسافة السردية القريبة:

تتمثل في سرد القصة من منظور داخلي، حيث يكون الراوي جزءًا من الشخصية نفسها، مما يسمح للقارئ بالتعمق في أفكار ومشاعر الشخصية. هذا الأسلوب يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش التجربة بنفسه.

المسافة السردية البعيدة:

في هذا النوع من السرد، يكون الراوي منفصلًا عن الشخصيات، مما يتيح للقارئ مشاهدة الأحداث من منظور خارجي دون الوصول إلى أفكار الشخصيات. هنا، يلعب القارئ دور المراقب، مما يوفر رؤية أوسع وأكثر موضوعية للأحداث.

المسافة السردية المتفاوتة:

يتم استخدام هذا الأسلوب عندما ينتقل السرد بين المسافة القريبة والبعيدة حسب ما يتطلبه النص. يمكن أن يبدأ السرد بعيدًا ثم يقترب تدريجيًا من الشخصيات أو العكس، مما يمنح الكاتب مرونة في التحكم بتفاعل القارئ مع النص.

دعونا نستعرض الآن الفروق الأساسية والمزايا التي يتميز بها كل من الأنواع الثلاثة:

مزايا المسافة السردية القريبة:

• تعمق الفهم لمشاعر ودوافع الشخصية.

• خلق ارتباط عاطفي قوي مع القارئ.

• عرض التفاصيل الدقيقة للصراعات الداخلية.

• توضيح تطور الشخصية بشكل تفصيلي.

مزايا المسافة السردية البعيدة:

• زيادة التوتر والتشويق.

• تعزيز الغموض وتأخير التعاطف.

• توفير رؤية موضوعية أوسع.

• إمكانية التوسع في الأحداث دون التقييد بمشاعر الشخصيات.

مزايا المسافة السردية المتفاوتة:

• مرونة في السرد.

• توازن بين الارتباط العاطفي والتحليل العقلي.

• تحقيق توازن بين التفاصيل الدقيقة والرؤية الشاملة.

• إدارة خطوط السرد المتعددة بفعالية.

ولتقديم فهم أعمق لهذه الأنواع، نستعرض فيما يلي أمثلة أدبية بارزة توضح كيفية تطبيق الأنواع الثلاثة للمسافة السردية.

المسافة السردية القريبة:

في رواية “سعادة السفير” لغازي عبدالرحمن القصيبي، ينقل الراوي أفكار وآراء الشخصية الرئيسية، يوسف الفلكي، مباشرة، مما يسمح للقارئ بمشاركة تجربته الداخلية بشكل كامل.

أيضًا في رواية “الأجنحة المتكسرة” لجبران خليل جبران، يروي جبران القصة من منظور الشخصية الرئيسية، غامرًا القارئ في تفاصيل مشاعرها وأفكارها.

المسافة السردية البعيدة:

في قصة “تلال مثل الفيلة البيضاء” لإرنست همنغواي، يتم تقديم الأحداث بطريقة موضوعية دون الكشف عن أفكار الشخصيات، مما يترك للقارئ تفسير الأحداث بطريقته.

أما في رواية “الغريب” لألبير كامو، فرغم أن السرد يأتي من منظور الشخص الأول، إلا أن كامو يحافظ على مسافة سردية بعيدة، مما يجعل مشاعر وأفكار الراوي تبدو جافة وموضوعية.

المسافة السردية المتفاوتة:

في رواية “سيدات القمر” لجوخة الحارثي، تختلف المسافة السردية بين الشخصيات؛ حيث تتحدث الشخصيات الذكورية بصوت داخلي بينما تظل الشخصيات الأنثوية في مسافة أبعد.

وفي سلسلة “أغنية الجليد والنار” لجورج آر آر مارتن، يتم السرد من وجهات نظر متعددة، حيث تتغير المسافة السردية داخل النص بين الوصف الخارجي للأحداث والتعمق في مشاعر الشخصيات.

خلاصة القول؛

المسافة السردية هي أكثر من مجرد تقنية سردية؛ إنها أداة تساعد في تشكيل تجربة القراءة، مما يؤثر بشكل كبير على كيفية تفاعل القارئ مع النص وفهمه له. يعتمد اختيار نوع المسافة السردية على طبيعة القصة وأهداف الكاتب والمشاعر التي يريد إيصالها.

أضف تعليق